واصلت ألمانيا استعادة كبريائها على الصعيد العالمي بالتأهل إلى نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية أمس الأحد، وذلك عقب التعادل أمام إيطاليا في إياب ربع النهائي بنتيجة (3-3)، مقدمة في الشوط الأول الذي أنهته متقدمة بثلاثية نظيفة عرضًا مبهرًا أعاد للأذهان عصور الهيمنة السابقة بعد سنوات الخيبات الأخيرة

تغيير الصورة

نجح مدرب الفريق جوليان ناجلسمان في تحويل المنتخب الألماني بصورة تامة، ففي تصريحات سابقة له العام الماضي ألمح إلى ذلك التغيير قائلًا: "أعتقد أنني لو عدت عام إلى الوراء، افترض أن بعض اللاعبين الذين سيتم استدعاءهم للمنتخب سيقولون: لدينا بعض المشاكل ولن نأتي، نفضل أن نبقى في حالة جيدة من أجل أنديتنا، ولكن الآن الكل يتواجد هنا".

بالفعل تغيرت حظوظ ألمانيا بشدة مع ناجلسمان من فريق يقدم نتائج مخيبة للأمال بين عامي 2016 و2022 تحت قيادة يواكيم لوف ومن بعده هانز فليك ويودع كأس العالم مرتين من دور المجموعات في نسختي 2018 و2022 إضافة إلى الخروج المبكر من يورو 2020 من ثمن النهائي، إلى فريق نجح في عام 2024 وحده في الفوز بعدد من المباريات أكثر من عدد انتصاراته مجتمعة في عامي 2022 و2023، ووصل إلى ربع نهائي اليورو قبل الخروج بشق الأنفس في الأوقات الإضافية أمام إسبانيا بعد تقديم مستويات بارزة في البطولة.

نجح ناجلسمان بفضل اليورو الذي استضافته ألمانيا على أرضها الصيف الماضي، في إعادة الحماس للماكينات من جديد، ودفع الجماهير للوقوف خلف الفريق مرة أخرى.



وعن كيفية نجاحه في ذلك، أبرز ناجسمان فلسفته قائلًا: "علينا مواصلة تحقيق الانتصارات، يجب أن نعمل على الصورة الذاتية".

كانت ألمانيا بحاجة إلى الثورة، ولم تجد أفضل من الشاب ناجلسمان لضخ أفكار جديدة في الفريق تعيد الشباب للمنتخب الألماني الذي ضل الطريق بدء من عام 2016.

وفي بداية توليه المهمة لم يكن لديه الوقت الكافي للعمل على تغيير الفريق بصورة درامية، وحاول لم شمل الفريق بإقناع توني كروس بالعدول عن قرار الاعتزال الدولي كي يكون القلب النابض للفريق في اليورو.

وحرص ناجسلمان على تقديم مجموعة جديدة من اللاعبين للمنتخب الألماني، تدفعها الرغبة في إثبات الذات للتألق، وركز بصورة أكبر على ضم لاعبين يجمعهم التفاهم أكثر من ضم أصحاب الجودة العالية.

وعن ذلك قال ناجلسمان: "كنا بحاجة ملحة إلى التغيير دون أن يقول الجميع إننا نغير كل شيء، كان من الواضح أن المهمة الأكبر كانت إعادة تشكيل الفريق بطريقة لا تكتفي فقط باستدعاء أفضل اللاعبين، بل استدعاء الذين يتناسبون مع بعضهم البعض، والذين يظهرون أنفسهم من خلال أدوارهم ويمكنهم التعامل مع تلك الأدوار بشكل جيد".

إعادة الكبرياء

أعاد ناجلسمان العقلية الانتصارية للفريق وظهر ذلك في تصريحاته بالمؤتمر الصحفي قبل مواجهة إيطاليا في لقاء الذهاب يوم الخميس الماضي: "قلت دائمًا بأنه من المهم أن نعتاد على تحقيق الانتصارات، نريد الفوز بأكبر عدد من المباريات والفوز بدوري الأمم الأوروبية".

هكذا كانت العقلية التي أرادها ناجلسمان لاستعادة كبرياء ألمانيا، ولكنه أراد خلق روح مختلفة في الفريق تدفع الجماهير للعودة إلى دعم الفريق، ولم يجد أفضل من الاعتماد على الثنائي الشاب جمال موسيالا وفلوريان فيرتز في تحقيق ذلك".

وفي تلك النقطة علق توماس مولر، مهاجم بايرن ميونخ قائًلا: "أعتقد أن ناجلسمان نجح في قلب الأمور في الفريق، كنت أتواجد معهم في اليورو ورأيت شيئًا ما تطور، فبوجود موسيالا وفيرتز، أصبح لدينا لاعبين لديهما الرغبة ويبحثان عن الاستمتاع ويملكان الجودة، الجماهير تريد مشاهدة ذلك، فهما يجسدان قيم المنتخب الألماني من المتعة والإبداع والنجاح، جوليان ناجلسمان قدم عملًا مذهلًا".



ثواب وعقاب

لم يتخوف ناجلسمان، عند الإعلان عن قائمة ألمانيا ليورو 2024، من استبعاد بعض الأسماء الكبيرة، التي لم تكن تضيف للماكينات أي شيء في الفترة الأخيرة، على غرار نيكلاس سولي وماتس هوميلز وليون جوريتسكا وجوليان براندت، إضافة إلى سيرجي جنابري.

وبدأ الاعتماد على الوجوه الجديدة المتألقة في البوندسليجا، أمثال فاليمار أنتون وماكسيمليان ميتلشتيت وكريس فوهريتش ودينيز أونداف، إضافة إلى نجوم باير ليفركوزن الذين توجوا باللقب، على غرار جوناثان تاه وفيرتز وروبرت أندريش، مكونًا توليفة جديدة للمنتخب الألماني.

ولكن ما ميز ناجسلمان هو عدله في التعامل مع اللاعبين، فكما استبعد جوريتسكا من قبل عندما عانى من انخفاض المستوى، ضمه من جديد في التوقف الدولي الجاري وأشاد به كثيرًا واصفًا إياه بأنه كان رجل مباراة الذهاب أمام إيطاليا.

ومن قبله أعاد ضم جنابري للمنتخب بعد تألقه في بداية الموسم، ولكن ومع تراجع مستواه مؤخرًا مع البايرن لم يستدعه للتوقف الدولي الجاري.



وبالتالي يدرك اللاعبون أن مستواهم وحده هو من سيمكنهم من التواجد في صفوف المنتخب، ويظهر ذلك في بذل جميع اللاعبين الجهد من أجل المدرب، وأصبح الكل يشعر بالفخر للعب من أجل ألمانيا، في الوقت الذي لم يكن ذلك هو نفس الشعور في حقبة ما قبل ناجلسمان.

بالفعل أعاد ناجلسمان الهيبة للمنتخب الألماني من جديد، وذلك بالاعتماد على مجموعة من الأسماء ليست من النخبة، فبعيدًا عن موسيالا وجوشوا كيميتش وأنطونيو روديجر، نجحت ألمانيا في تقديم شوط أول تاريخي أمام إيطاليا وتقدمت بثلاثية نظيفة أمس بتواجد أسماء مثل كلينيست وميتليشتيت وشلوتيربيك وستيلر، حتى الأسماء التي شاركت من مقاعد البدلاء ليست بالأسماء الرنانة من أميري وبيسيك وأندريش وأديمي.

ولكن ما يميز ناجلسمان هو روح المجموعة وقدرته على مواجهة الفرق الكبرى، وهو ما يؤكد أن فقط ما ينقص ألمانيا الآن بعض الخبرة لتلك المجموعة الشابة، وستكون قادرة على الفوز بالبطولات الكبرى معه.

وتعد مباراة إيطاليا درسًا جيدًا لتلك المجموعة الشابة على كيفية التعامل مع الضغوطات، وكان هناك درس إسبانيا في ربع نهائي اليورو الماضي، وهي مباريات من شأنها أن تثقل الفريق وتجعله أحد أبرز المرشحين للفوز بدوري الأمم الأوروبية هذا الصيف خاصة أن ألمانيا تستضيف المرحلة النهائية على أرضها، ومن شأن الفوز باللقب أن يزيد من ثقة الفريق قبل عام واحد من مونديال 2026.